وهبة الزحيلي

18

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : تضمنت الآيات حكاية شبهتين للمشركين وجوابين عنهما ، أما الشبهتان فهما : أن القرآن كذب مختلق اختلقه محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأعانه عليه قوم من اليهود وأن القرآن أساطير أي أكاذيب وحكايات المتقدمين ، فهي تلقى على محمد ، وتقرأ في أول النهار وآخره ، أي دائما ، حتى تحفظ . والرد على الشبهة الأولى : أنهم هم الذين افتروا هذا القول الباطل وهم يعلمون بطلانه ، لا أن القرآن مفترى . والرد على الشبهة الثانية أن منزل القرآن هو اللّه الذي يعلم السر والغيب والجهر ، فلا يحتاج إلى معلّم ، ولو كان القرآن مأخوذا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها ، وقد جاء بفنون تخرج عنها ، فليس مأخوذا منها ، وأيضا لو كان مأخوذا من هؤلاء ، لتمكّن المشركون منه أيضا ، كما تمكن محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فهلا عارضوه ؟ فبطل اعتراضهم من كل وجه . وبيان هذا الجواب : إن اللّه تحداهم بالمعارضة ، وظهر عجزهم عنها ولو كان صلّى اللّه عليه وسلم أتى بالقرآن مستعينا بأحد ، لسهل عليهم الاستعانة بآخرين ، فيأتون بمثل هذا القرآن ، فلما عجزوا عنه ، ثبت أنه وحي اللّه وكلامه ، لهذا قال : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ أي أن تلك الفصاحة القرآنية لا تتأتى إلا من العالم بكل المعلومات ، وأن القرآن مشتمل على الإخبار عن المغيبات ، وذلك لا يتأتى إلا من كامل العلم ، وأن القرآن مبرأ عن النقص والتعارض ، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات ، كما قال سبحانه : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء 4 / 82 ] والقرآن مشتمل على أحكام منسجمة مع مصالح العالم ونظام الناس ، وهو لا يكون إلا من العالم الواسع العلم ، وكذلك القرآن مشتمل على أنواع العلوم ، وهو لا يتأتى إلا من العليم الخبير .